الغزالي

106

إحياء علوم الدين

إلا قد أصبت منها شرا . فقال له ابن عامر ، ألا تدعو لي ؟ فقال ابن عمر سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] يقول « لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول » وقد وليت البصرة . فهذا قوله فيما صرفه إلى الخيرات . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال في أيام الحجاج ، ما شبعت من الطعام مذ انتهبت الدار إلى يومي هذا . وروى عن علي رضي الله عنه ، أنه كان له سويق في إناء مختوم يشرب منه ، فقيل أتفعل هذا بالعراق مع كثرة طعامه ؟ فقال أما إني لا أختمه بخلا به ، ولكن أكره أن يجعل فيه ما ليس منه ، وأكره أن يدخل بطني غير طيب . فهذا هو المألوف منهم . وكان ابن عمر لا يعجبه شيء إلا خرج عنه . فطلب منه نافع بثلاثين ألفا ، فقال إني أخاف أن تفتنني دراهم ابن عامر ، وكان هو الطالب ، اذهب فأنت حر . وقال أبو سعيد الخدري ، ما منا أحد إلا وقد مالت به الدنيا ، إلا ابن عمر . فهذا يتضح أنه لا يظن به وبمن كان في منصبه أنه أخذ ما لا يدرى أنه حلال الدرجة الثالثة . أن يأخذ ما أخذه من السلطان ليتصدق به على الفقراء ، أو يفرقه على المستحقين ، فإن ما لا يتعين مالكه ، هذا حكم الشرع فيه . فإذا كان السلطان إن لم يأخذ منه لم يفرقه ، واستعان به على ظلم ، فقد نقول أخذه منه وتفرقته أولى من تركه في يده . وهذا قد رآه بعض العلماء . وسيأتي وجهه . وعلى هذا ينزل ما أخذه أكثرهم . ولذلك قال ابن المبارك ، إن الذين يأخذون الجوائز اليوم ويحتجون بابن عمر وعائشة ، ما يقتدون بهما ، لأن ابن عمر فرق ما أخذ ، حتى استقرض في مجلسه ، بعد تفرقته ستين ألفا . وعائشة فعلت مثل ذلك . وجابر بن زيد جاءه مال فتصدق به ، وقال رأيت أن آخذه منهم وأتصدق ، أحب إلىّ من أن أدعها في أيديهم . وهكذا فعل الشافعي رحمه الله بما قبله من هارون الرشيد فإنه فرقه على قرب ، حتى لم يمسك لنفسه حبة واحدة الدرجة الرابعة : أن لا يتحقق أنه حلال ، ولا يفرق ، بل يستبقى . ولكن يأخذ من سلطان ؟ ؟ عماله حلال . وهكذا كان الخلفاء في زمان الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ، بعد الخلفاء الراشدين ، ولم يكن أكثر مالهم حراما . ويدل عليه تعليل علي رضي الله عنه ، حيث قال